جان لوئيس بوركهارت
مقدمة 16
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وترعرع وهو يرى بعينيه كل يوم مظاهر الشقاء التي تعانيها أسرته تحت الحكم الفرنسي الجمهوري . . . لقد ضاع كل شئ ، الثروة والجاه ؛ ولم يعد للأسرة من مجدها القديم سوى ذكريات تجترها كلما ضاقت منها النفوس . وفقد الطفل وهو لا يزال في فجر حياته كل ثقة في الحكم الفرنسي ، واحتقر المبادئ التي ينادى بها الفرنسيون ، وقر في ذهنه ألا يعيش أبدا تحت سلطانهم ، وتعلقت آماله بأن يخدم في جيوش الدول التي تحارب فرنسا حينما تسمح له السن أن يكون من جملة السلاح ، ولكن لا بد له من أن يتم تعليمه أولا فهو صبي طموح لا تعوزه القدرة ولا ينقصه الذكاء ، وكانت موارد أسرته لا تزال تسمح له بأن يتعلم على يد معلم خاص يزوره في بيت أبيه ، ولهذا لم يلتحق بدراسة نظامية إلا لمدة سنتين قضاهما في معهد بنيوشاتل . ويبلغ الصبى السادسة عشرة من عمره في سنة 1800 فيحمله أبوه « الزعيم بركهارت » إلى جامعة ليبرج وفيها يقضى أربع سنوات ثم ينتقل إلى جامعة جوتنجن ، وفي كلتا الجامعتين كان « جون لويس » طالبا مثاليا أكسبته مواهبه الممتازة ، ورغبته الصادقة في المعرفة ، وتمسكه بقواعد الشرف ، تقدير أساتذته واحترام زملائه ، وأصبح له مجموعة كبيرة من الأصدقاء يحبون فيه صراحته الكاملة ، ومرحه المعتدل ورقة حاشيته وصفاء طبعه . وترك بركهارت جوتنجن في سنة 1805 ليلحق بأبيه ، ومضت عليه فترة لا يعرف أي خطة يرسمها لمستقبلة . . إنه يريد أن يعمل ولكن بعيدا عن فرنسا والفرنسيين . ويتعذر عليه أن يجد في القارة دولة لا تربطها بفرنسا رابطة . لقد أصبحت كل الدول الأوربية إما خاضعة لفرنسا أو متحالفة معها ، ولهذا يرفض غير آسف وظيفة في السلك السياسي يعرضها عليه البلاط الألماني . وأخيرا ينتهى به التفكير إلى أن يرحل إلى إنجلترا عسى أن يجد الباب مفتوحا فيدخل في خدمة هذه الدولة التي لم تخضع بعد لفرنسا أو تتحالف معها ويصل إلى لندن في يولية سنة 1806 مزودا بتزكية كثير من الرجال الممتازين ومن بينهم